صفير في قداس احتفالات الحج الى وادي قنوبين: للاقتداء بسيرة القديس مارون وابداء القناعــة

المركزية- دعا البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الى الاقتداء بسيرة القديس مارون الذي كفر بالعالم ليتبع المسيح، لافتا الى ان ظروف الاضطهاد والحياة الصعبة التي عرفها الموارنة هي التي دفعتهم الى سكن وادي قنوبين، مؤكدا ان الامثولة التي يجب ان تتخذ من الوجود في الوادي المقدس هي التشبه بمن سبقونا وابداء القناعة على رغم التعب والصعوبات.
كلام البطريرك صفير جاء في عظة القاها في خلال ترؤسه قداس احتفالات الحج الروحي الى وادي قنوبين الذي دعت اليه اللجنة الاسقفية ليوبيل المئوية السادسة عشرة لوفاة القديس مارون، وعاونه في القداس الذي ترأسه في كنيسة الكرسي البطريركي الاثري في دير سيدة قنوبين المطارنة بولس اميل سعاده، جورج أبي يونس، بولس الصياح، انطوان نبيل العنداري، منجد الهاشم، يوسف سويف وسمعان عطالله وبمشاركة حشد من الكهنة والرهبان والراهبات الموارنة الذين توافدوا الى الوادي عبر طرق المشاة ومن مدخليه الشرقي والغربي.
وكان البطريرك صفير غادر الكرسي البطريركي في الديمان صباحا يرافقه القيم البطريركي الخوري جوزف البواري ومجموعة من المشاة وتوجه الى الكرسي البطريركي في دير سيدة قنوبين، ومنه الى مزار القديسة مارينا حيث ادى الصلاة لراحة انفس البطاركة الموارنة المدفونين في المزار المذكور، وعلى نية تطويب البطريرك المكرم اسطفان الدويهي، ومن هناك في اتجاه محبسة سيدة حوقا، وبعدها عودة الى دير قنوبين حيث ترأس القداس وخدمته جوقة الراهبات الانطونيات المقيمات في دير قنوبين.
عظة البطريرك: وبعد الانجيل المقدس القى البطريرك صفير عظة بعنوان: "كونوا كاملين، كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى 48:5) وفيها: اذا كان السيد المسيح وجه كلامه الى كل الناس، فهو وجهه بطريقة خاصة الى من اختارهم ليتكلموا باسمه بين اخوانهم. ذلك ان كل الناس هم مدعوون الى كمال المحبة والقداسة على اختلاف حالاتهم، لذلك قال "كونوا كاملين، كما أن اباكم السماوي هو كامل" ولكي يبلغ المؤمن هذا الكمال وهذه القداسة عليه ان يعمل بارادة ربه في كل شيء، مكرسا قواه لمجد الله وخدمة القريب، وهكذا يقول التعليم المسيحي الذي نشره البابا يوحنا بولس الثاني: "ان قداسة شعب الله تنمو بغزارة مثمرة، كما نرى ذلك في تاريخ الكنيسة، من خلال حياة الكثير من القديسين".
ان التقدم الروحي يميل الى احكام الاتحاد بالله. وهذا الاتحاد يدعى سريا لأنه يشارك في سر المسيح من خلال الاسرار. ومن خلال ذلك في سر الثالوث الاقدس. والله يدعونا جميعا الى هذا الاتحاد به، ولو كان هناك بعض من المؤمنين يتلقون، لاتحادهم به، نعما خاصة، ولكن طريق الكمال تمر بالصليب، ولا قداسة دون كفر بالذات وصراع روحي، كما يقول تيموتاوس:
"أعلن كلام الله وألح فيه بوقته وبغير وقته، وبخ وأنب وعظ بصبر جميل، ورغبة في التعليم فسيأتي يوم لا يحتمل الناس فيه التعليم الصحيح، بل يتخذون طائفة من المعلمين، وفق شهواتهم لما فيهم من حكة في آذانهم فيصمون مسامعهم عن الحق ليقبلوا على الخرافات".

والتقدم الروحي يسعى الى الاتحاد بالمسيح، وهو الاتحاد السري لأنه يشارك في سر المسيح، ومن خلاله في سر الثالوث الاقدس، والله يدعونا الى هذا الاتحاد به، ولو جاد بنعم خاصة على بعض النفوس المختارة.
ولكن طريق الكمال تمر حتما بطريق الصليب، ولا سبيل الى ادراك القداسة دون عراك روحي، والتقدم الروحي يتم عن طريق الكفر بالذات، والتضحية، التي تقود تدريجيا الى العيش بسلام وفرح الطوباويات، ان القديس غريغوري الينصاوي يقول: "ان الذي يتسلق لا يحجم عن الذهاب من البدء الى البدء عبر بدايات لا نهاية لها، وهو لا يقف عن اشتهاء ما يعرفه منذ زمن".
ان ابناء أمنا الكنيسة المقدسة يأملون بحق بأنهم يحصلون على نعمة الثبات الاخيرة والمكافأة من الله أبيهم عن الاعمال الخيرة التي أتوها بنعمته بالاتحاد بيسوع المسيح، والمؤمنون الذين يقومون بهذا الدور في حياتهم، يشاطرون الذين جمعتهم الرحمة الالهية والامل المبارك في "المدينة المقدسة، اورشليم الجديدة، الآتية من السماء، من الله، والمزينة كالعروس لعريسها".
ان اجتماعنا اليوم في هذا المعبد وفي هذا المكان الذي لا تزال جدرانه عابقة بأنفاس من تقدمنا من آبائنا وأجدادنا، الذين عاشوا وماتوا، هم مؤمنون بالله، وحافظوا على تعاليمه وما ورثوه عن السلف الصالح من عبادات تقوية، لهو اجتماع يجب ان يحمل ثمارا يانعة نهتدي بها الى موطن القداسة.
ان نقتفي آثار القديس مارون، ونحاول ان نقتدي بسيرة حياته، فهذا ما يجب ان نصبو اليه، وهو الذي كفر بالعالم وأباطيله، وترك كل شيء ليتبع السيد المسيح ويحمل الصليب معه وعلى مثاله، وعلينا نحن بدرونا ان نحمل هذا الصليب الذي يسمح الله بأن نلقاه في طريقنا، لأنه بدون الصليب عبثا نبحث عن الخلاص الذي نتوق اليه، ولكل منا صليبه في الحياة اليومية، وقد قال احد القديسن ان الله خلق الانسان في شكل صليب ليذكر دائما ان عليه ان يحمل الصليب، على مثال معلمه السيد المسيح الذي حمله ومات عليه.
لعلنا نعجب كيف ان آباءنا وأجدادنا الموارنة توطنوا هذا الوادي، ولكننا اذا عرفنا ما كانت ظروف حياتهم، وما لاقوه من اضطهاد اضطرهم الى الاختباء في هذه الوعور العاصية، يزول العجب، وما من عجب اذا سمي هذا الوادي وادي القديسين، والسيد المسيح لدى ظهوره لاحدى القديسات قال لها:" ما عن عبث حملت الصليب" وما عن عبث توطنوا هذا الوادي على وعورته.
واذا كنا نلقي في ايامنا بعض المشقات، ونعاني من بعض الصعوبات، فيجب ان نتحملها مع المسيح لتثمر ثمار القداسة فينا، وفي المؤمنين الموكولة رعايتهم الينا. واذا كان من أمثولة نتخذها اليوم من وجودنا في هذا الوادي المقدس، فهي الاقتداء بسيرة من سبقنا الى هذا المكان والى غيره من الأمكنة البنانية، وذلك بما نبديه من قناعة، على الرغم من التعب، بما قسم الله تعالى لكل منا من نصيب.
ولنجدد ايماننا بالله، وثقتنا بشفاعة أمنا مريم العذراء، ولنصبر على محن الدهر، يقينا منا أن طريق الكمال ضيق وصعب وشاق، خلافا لطريق الهلاك الذي هو واسع وسالكوه كثيرون، على ما اشار اليه الانجيل المقدس، ولكن الطريق الصعب يؤدي الى السعادة، والطريق السهل يؤدي الى الهلاك. فلنسلك الطريق الصعب الذي هو طريق الكمال، والسيد المسيح يقول لنا: "كونوا كاملين كما أن أباكم السموي هو كامل".
وبعد القداس كان لقاء موسع للبطريرك صفير والاساقفة والاكليروس المشاركين تحدثت خلاله رئيسة الدير الام كليمانس حلو عن "قنوبين والروحانية المارونية"، تبعه نقاش فغداء تراثي من إنتاج الوادي.

* * *


عودة للأعلى
Print البريد الإلكتروني  
المستخدم
كلمة السر
إشترك